خطر داهم يهدد العالم كله ، ينتشر بمتوالية انفجارية ، ولا سبيل إلى الوقاية من هذا الخطر إلا بالتزام منهج الله القويم، وصراطه المستقيم الذي ارتضاه لعباده .
وعمدما ينحرف الإنسان عن منهج ربه، ويستجيب لنداء غريزته من دون ضابط من شرع، أو رادع من فطرة، أو زاجر من عقل يبطل عمل هذا الجهاز، ويموت الإنسان لأدنى سبب، وما مرض نقص المناعة المكتسب بالإثم - الإيدز - إلا تأكيد لهذه الحقيقة، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، فلما انحرف عن منهج ربه رددناه إلى أسفل سافلين.
لو نظرت إلى شاب مصاب بهذا المرض الخطير، مرض نقص المناعة المكتسب بالآثام :
لرأيته صار إلى فتــىً هــزيل الجـسـم منجرد
متلجلج الألفاظ مضطرب متواصل الأنفــاس مطّرد
عيناه عالقتان في نفــق كسـراج كـوخ نصف متقد
تهتز أنمله فتحسبهـــا ورق الخريف أصيب بالبرد
ويمج أحياناً دماً فعلــى منديله قطع مــن الكبــد
قطع تقول له: تموت غداً وإذا ترِقُّ تقـول: بعد غــد
والموت الزؤام هو المصير المحتوم لكل مسرف مصاب بهذا المرض :
مات الفتى فأقيم في جدث مستوحش الأرجاء منفردِ
كتبوا على حجراته بـدم سطِّرْ به عظةً لذي رشد
هذا قتيل هوى ببنت هوىً فـإذا مررتَ بأختها فحِد
من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ما رواه بن ماجه والبيهقي واللفظ له عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :((يا معشر المهاجرين! خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم)).
هذا الحديث الشريف من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم : ((ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سُلِّط عليهم عدو من غيرهم يأخذ بعض ما في أيديهم)).
[رواه ابن ماجه رقم4019 والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ورواه البزار والبيهقي ومالك في الموطأ موقوفاً]
لقد عمَّ العالم مرض وبائي معدٍ سببه فيروس لم يكن معروفاً من قبل، وبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية قبل ستة أشهر هناك أربعة وثلاثون مليون مصاب في العالم، لكن هناك خبراء يؤكدون أن العدد الحقيقي قد يكون ضعف هذا العدد أو أكثر، ومما يزيد الحالة سوءاً عجز العالم بكل مؤسساته، وهيئاته العلمية وإمكاناته المالية عن صنع لقاح مضاد لهذا المرض، إن هذا الفيروس لا ينتشر في أكثر حالاته إلا من خلال الإباحية، والفوضى الجنسية، والإدمان على المخدرات، ومن خلال انتشار السياحة من أجل الجنس، أي إنه -وهذه حكمة الخالق- مرتبط بالسلوك الشخصي، في الدرجة الأولى، وهناك مفارقة حادة يختص بها هذا الوباء، فبينما نجد أن معالجته مستعصية إلى درجة الاستحالة، فالموت الزؤام مصير كل مصاب به، نجد في الوقت نفسه أن الوقاية منه سهلة إلى درجة أن كل إنسان لم يصب بهذا المرض يملك الوقاية التامة من خلال التزامه بالمنهج الإلهي من حيث العفة والاستقامة، فكل شهوة أودعها الله بالإنسان جعل الله لها قناةً نظيفة تتحرك فيها، وأوامر الدين ضمان لسلامتنا، وليست قيوداً لحريتنا.
الشيء المحير أن هذا الفيروس يستطيع أن يغير شكله في أي وقت، فلو أنفقت ألوف الملايين في البحث العلمي عن لقاح مضاد له تذهب هذه الأموال، أو تلك الجهود أدراج الرياح حينما يغير هذا الفيروس شكله، فضلاً عن أن لهذا الفيروس سلالات عديدةً، فمن نجا من سلالة أردته أخرى، وكأن الله جل جلاله يريد من الإنسان المتفلت أن ينجو من هذا المرض بالعفة والاستقامة، لا باللقاح والدواء، قال تعالى :
"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ".
[ سورة الروم الآية : 41 ]
وشيء آخر يقوله العلماء، وهو أنه لو افترض جدلاً، وهذا أقرب إلى المستحيل، أن جهود العلماء في السنوات الخمس القادمة توصلت إلى لقاح مضاد لهذا الفيروس، فإن تكاليف معالجة المريض الواحد تزيد عن عشرة ملايين (الواحد).
"ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ".
في دراسة إحصائية دقيقة أجريت في بلد تفاقم فيه انتشار هذا المرض بسبب الإباحية والفوضى الجنسية وجدوا أنه في كل عشر ثوانٍ يموت إنسان بهذا المرض، وأُذيعت هذه الدراسة في بعض الإذاعات العالمية، ذلك بأن هذا المرض ينتشر بمتوالية هندسية، ويبدو أن المتوالية الهندسية لا تعبر عن حجم انتشاره، ينبغي أن نقول : إن هذا المرض ينتشر بمتوالية انفجارية مخيفة، وهناك دراسات إحصائية أخرى تتوقع أن يكون عدد المصابين في العالم في عام ألفين مئة وعشرين مليون مصاب. نُشر هذا في صحيفة تصدر في دمشق، وهناك من يعتقد أن هناك مصاباً بهذا المرض وحاملاً له، لكنه وجد أن الحامل لفيروس هذا المرض مصاب به حتماً، لكنه لا يزال في دور الحضانة، وأما أعراضه المرعبة ففي طريقها إلى الظهور، فلا معنى للتفريق بين المصاب والحامل؛ لأن الفرق بينهما فرق وقت لا فرق نوع.
من المفارقات الحادة أن العالم كله، ولاسيما الدول المتقدمة بمقياس العصر المادي، العالم كله بكل إمكانياته المادية والعلمية يقف عاجزاً مكتوف اليدين أمام أضعف فيروس حتى الآن، يفتك بالملايين الذين انحرفوا بأخلاقهم عن المنهج القويم، وكأن هذا الفيروس جند من جنود الله، وما يعلم جنود ربك إلا هو، جعله الله عقاباً عاجلاً لمن خرج عن الفطرة السليمة فضلَّ، وأضل، وفسد، وأفسد، إذ لا سبيل إلى الخلاص منه إلا بالعودة إلى المنهج القويم، والصراط المستقيم. ومما يؤكد ذلك -وهذا ما حير العلماء- أن البعوضة تغرس خرطومها في جسم مصاب بهذا المرض، وتأخذ من دمه الملوث، ثم تنتقل إلى إنسان سليم من هذا الفيروس، وتغرس خرطومها في دمه النظيف، ويختلط دم السليم بدم المصاب، ولا ينتقل المرض، أليست هذه آية صارخة تدل على أن الله جل جلاله جعل هذا المرض الفتاك عقاباً على السلوك الإباحي ليس غير، ولم يجعل الإصابة به عشوائية.
لو أن بلدةً تشرب ماءً ملوثاً، فظهر في أبنائها الأمراض والأوبئة فهل من العقل والحكمة أن ندع الماء الملوث يفتك بأبناء هذه البلدة، ثم نبحث عن المصل المضاد واللقاح الشافي، وأن نستقدم الأطباء، ونشيد المشافي، ونستورد الأجهزة، أم العقل والحكمة يقتضي أن نوقف الماء الملوث، أو أن نطهره من التلوث، وعندها نطوق المشكلة ونحد من انتشارها، ثم نلتفت إلى معالجة المصابين.
من المؤسف أن هذا ما لا يجري في العالم كله، إنهم لا يقفون في وجه أسباب المرض، بل يحاولون أن يمنعوا أعراضه ونتائجه، إن درهم وقاية خير من قنطار علاج.
"أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ".
[سورة الجاثية الآية : 23]
الشاب الذي يبحث عن عمل، ثم يبحث عن زوجة، هو في الظاهر يبحث عن كفايته، ويقضي حاجته، وهو في الحقيقة يسهم في بناء أمته؛ لأن الأسرة النظيفة المتماسكة هي الخلية الأولى في جسم المجتمع السوي المتقدم، والشاب الذي يهمل عمله، ويقضي وطره من طرق غير مشروعة، ومع فتيات ساقطات، يسهم من حيث يريد أو لا يريد، من حيث يعلم أو لا يعلم في تدمير نفسه، وأسرته، ومجتمعه، وهل الأمة إلا بشبابها الأصحاء الأقوياء المستقيمين وشاباتها.
يا بنات الجيل هيــا حصِّنوا هذا البناء
احفظوا جيل الشـباب أرشدوهم للصواب
فهم النبع الغزيـــر ولك عذب الشراب
حصِّنوا كل الشبـاب لينيروا كالبــدور
يسِّروا أمر الـزواج لا تغالوا بالمـهـور
واحذروا داء التباهي بالأثاث و القصـور
إنما نبع السعــادة كامنٌ ضمن الصدور
***
احذروا الفيروس فهو الآن جمرٌ يختفي تحت الرمــاد
إنْ تجاهلْنا الحقيقة فاجأتنا النار يوماً واكتوى كل العباد
بددوا الجهل بعلــــم أيقظوا أهل الرقـــــاد
توِّجوا العلم بطــــهر صادق فهو العمـــــاد
هاهو الفيروس يغتــال الضحايا قاصداً كل البـلاد
وهو أعمى عن شبـاب طاهر يأبى الفســـــاد
***
إنما العفة ماء بارد عذب زلال، يطفئ الجمر، ويروي كل من طلب الحلال
ولكن ينبغي أن ننوه أنه بفضل الله علينا، وبسـببٍ من تمسك مجتمعنا بمبادئ دينه القويم، فإن هذا المرض الخطير الذي يعد الخطــر الأول في العالم كله لا يعد مشكلة في بلدنا الطيب، فالإصابات لا تزيد عن مئـة، أو أكثر بقليل، وأكثر هذه الإصابات من الوافدين من بلاد أجنبية، وهناك إجراءات حازمة تحد من انتشاره :
"فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ".
[سورة طه الآية : 123]
"فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ".
[سورة البقرة الآية : 38]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه ولا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت.