تحت اللحاف
اعترضت على تعبير: (فَتَلَ الرجلُ شاربيه) ورد في قصة لأحد الشباب، وكان رأيي، أن الرجل (يفتل شاربه)، وليس شاربيه... ثم اتضح لي أن التعبير سليم، إذ يطلق عن هذه الكتلة التي تنبت فوق الشفة العليا للرجل، ولا يعفو عنها (أي لا يحلقها)، صفة (شارب)، أو (شاربين) أو (شوارب).. وكل هذه الصفات صحيحة... واللفظة من باب المجاز في اللغة، أي أنْ يُذكرَ الجزءُ، ويُرادُ به الكل.. أو العكس.. كأن نقول عن أخوين من ولادة واحدة: توأم.. أو توأمان.. كما هو الحال مع التوأمين المبدعين محمد وأحمد ملص.. كلا الصفتين صحيحة..
ويصح في صحيح اللغة قولنا: انتعل زيدٌ نعله، أو نعليه.. (مع عدم المؤاخذة على هذه النقلة الفجة في التعبير، بعيداً عن التشبيه).. ومثل ذلك عبارة: "قال بعضهم".. وبعضهم تعني واحداً في العدد، أو أكثر من واحد..
وأظن ألا بأس على الكاتب تصحيح لغته، وتقويمها، والاستزادة من علومها ما أمكنه ذلك.. ولغتنا ليست بحيرة.. ولا هي بحر.. بل محيطٌ، أفلح من سبح على شاطئ أزرق ضيق مما تبقى من شواطئه..
وأعود إلى الشوارب كي لا أثقل على الشباب بدروس لغة عربية هم مثقلون بها أصلاً.. وأقول إني واحد من الناس الذين لم يطلقوا العنان لشاربهم.. رغم أن أبي، وجديَّ، وجدود أجدادي كانت لهم شوارب يعتدُّ بها... وبعض المشوربين يطلقون شواربهم، ثم ما يلبثون يأخذونها بالتشذيب أو الحف من فوق ومن تحت، أو القصقصة، تبعاً للموضة.... والبعض يرى فيها عنواناً للرجولة.. مع أن جارتنا العجوز الدردبيس أم حسن لديها شارب، وهي ليست رجلاً!!... وما أكثر الذين يضعون أصابعم على شنباتهم، ويقسمون على حلقها.. ثم يحنثون.. بينما الحالف بالطلاق، يطلق زوجته حتى لو كان حلفانه على صفقة بقدونس..
ولا تنسوا أن مسلسلاً تلفزيونياً من العيار الشامي، بُني من ألفه، إلى يائه على حكاية رَهْن بطل المسلسل لبضع شعيرات من شاربه كضمانة لدَين.. مع أن سندات الأمانة المكتوبة على رقاع كانت معروفة منذ فجر الهداية..
وتورد المعاجم لفظ (الشارب) تحت باب الفعل الثلاثي (شرب).. ومنه (الشَّرْب)، وهو جمع للشارب (أي الشنب، بلغة طوني حنا).. وأظن أن تسميته بهذا الاسم لأنه يشرب الماء مع صاحبه.. وقد يشرب اللبن، فإذا كان اللبن غير مغشوش بالماء علق بالشوارب..
وتقول الحكاية أن طفلاً سأل جده ذا الشارب المعنكف، واللحية الأفغانية: يا جدّو.. أين تضع شاربك ولحيتك حين تنام؟.. تحت اللحاف، أم فوقه؟... ويقال بأن الجد في بحثه عن جواب لسؤال حفيده، ظل قلقاً طوال الليل.. ولم يتوصل إلى جواب..
وما أخبث الأطفال حين يتخابثون..